الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

71

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فقال : فالمقسمات أمرا فقال : الملائكة . ومع هذه الحال فهناك تفاسير أخر يمكن ضمها إلى هذا التفسير ، منها أن المراد ب‍ " الجاريات " هي الأنهار التي تجري بماء المزن و " المقسمات أمرا " هي الأرزاق التي تقسم بواسطة الملائكة عن طريق الزراعة . وعلى هذا فإن الكلام عن الرياح ثم الغيوم وبعدها الأنهار وأخيرا نمو النباتات في الأرض يتناسب تناسبا قريبا مع مسألة المعاد ، لأننا نعرف أن واحدا من أدلة إمكان المعاد هو إحياء الأرض الميتة بنزول الغيث وقد ذكر ذلك عدة مرات في القرآن بأساليب مختلفة . كما يرد هذا الاحتمال أيضا : وهو أن هذه الأوصاف الأربعة جميعها للرياح - الرياح المولدة للسحب ، والرياح التي تحملها على متونها ، والرياح التي تجري بها إلى كل جانب ، والرياح التي تنثر وتقسم قطرات الغيث لكل جهة ( 1 ) ! . ومع ملاحظة أن هذه التعبيرات الواردة في الآيات جميعها جامعة وكلية فيمكن أن تحمل المعاني آنفة الذكر كلها ، إلا أن التفسير الأساس هو التفسير الأول . وهنا ينقدح هذا السؤال . . وهو : إذا كان المراد من " المقسمات " هو الملائكة فماذا تقسم الملائكة ؟ ! نجيب على هذا السؤال أن تقسيم العمل هنا لعله راجع إلى كل التدبير في العالم بحيث أن جماعات من الملائكة مأمورة بتدبير أموره ، كما يحتمل أنها مأمورة بتدبير الأرزاق ، أو تقسيم قطرات الغيث على المناطق المتعددة في الأرض ( 2 ) .

--> 1 - أشار إلى هذا المعنى تفسير الفخر الرازي ، ج 28 ، ص 195 . 2 - ينبغي الالتفات إلى أن الواو في ( والذاريات ) هي للقسم ، إلا أن الفاء في الآيات التي تليها عاطفة وهي تحمل مفهوم القسم كما أنها في الوقت ذاته بمثابة علاقة ورباط بين الأقسام الأربعة هنا . .